الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث العاشر

الحديث العاشر

الاثنين 6 يونيو 2011

أخبرنا الشيخ أبو طالب محمد بن علي، عن أبي القاسم علي بن أحمد الرزاز، قال أنبأنا أبوالحسين محمد بن مخلد في سنة ثمان عشرة وأربعمائة، قال: أنبأنا أبوعلي إسماعيل بن محمد الصفار، قال: أنبأنا الحسن بن عرَفة العبدي، قال: أنبأنا أبوالنضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتحُ، فيقول الخازن: مَن أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بِكَ أمرت أن لا أفتحَ لأحدٍ قَبلَكَ" [1].

وقد علم أهل العلم بالله، أن الجنة التي هي باب الخير الإلهي الأبدي، لا تُفتح إلا بفتح محمد صلى الله عليه وسلم لها، فهو الفاتحُ لكل خيرٍ دنيوي وأخروي، والعلمُ بشأنه هو سر العلم بالله تعالى، فمن أراد أن يُفتح له أبواب الخير الدنيوي والأخروي فعليه أن يتعلق بأذياله صلى الله عليه وسلم، فإن في نفحاتها علم المعرفة.

أي سادة، علم المعرفة هو العلم بالله تعالى، وهو نور من أنوار ذي الجلال، وخصلة من أشرف الخصال، أكرم الله به قلوب العقلاء، فزينها بحسن جماله، وعظيم شأنه، وخص به أهل ولايته ومحبته، وفضَّله على سائر العلوم، وأكثر الناس عن شرفه غافلون، وبلطائفه جاهلون، وعن عظيم خَطره ساهون، وعن غوامض معانيه لاهون، فلا يُدركه إلا أرباب القلوب الموفقون، وهذا العلم أساسٌ بُنيت عليه سائرُ العلوم، به يُنال خير الدارين، وعز المنزلين، وبه يَعرف العبد عيوب
نفسه، ومِنَن ربه، وجلال ربوبيته، وكمال قدرته، به يطيرُ سِرُّ العبد بجناح المعرفة في سرادقات لطائف القدرة، ويجول حول منتهى العزة، ويرتعُ في روضات القدس، فلا تتم العلوم كلها دون امتزاج شيء منه بها، ولا تفسد الأعمال إلا بفقده، ولم تسكن إليه قلوبٌ نظر الله إليها بالرأفة والرحمة، وأمطر عليها أمطار الفهم والبلاغة، وطيبها برياحين اليقين والفِطنة، وجعلها موضع العقل والفراسة، وطهرها من أدناس الجهالة والغفلة، ونوَّرها بمصابيح العلم والحكمة، قال الله تعالى: (يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [2]، وكل عارف يخشى الله تعالى ويتقيه على مقدار علمه بالله عز وجل، لقوله تعالى:
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) [3]، بنوره يعرف وساوس الشيطان، الدافعة إلى المعاصي والزلات، ويحذر به آفات الإرادات، قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) [4]، وقال الله تعالى: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) [5].

وفي الخبر: "إن من العلم كهيئة المكنون المخزون، لا يعرفها إلا أهل العلم بالله، ولا ينكرها إلا أهل الغرَّة" [6] وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "العلم بالله" [7].

ورُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب، أي العباد أكثر حسنة، وأرفع درجة عندك؟ قال: أعلمهم بي.

وقال الإمام الجليل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: أعلم الناس بالله أشدهم تعظيماً لحرمة لا إله إلا الله، قال أبو الدرداء رضي الله عنه : من ازداد بالله علماً ازداد وَجَلا.

وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: أن يا داود تعلم العلم النافع، قال: إلهي، وما العلم النافع؟ قال: أن تعرف جلالي وعظمتي وكبريائي، وكمال قدرتي على كل شيء، فإن هذا الذي يقربك إلي، وإني لا أعذر بالجهالة مَن لقيني.

وقيل لمحمد بن الفضل السمرقندي [8]: ما العلم بالله؟ قال: أن ترى قضاءه في الخَلْق مُبْرَماً، والضر والنفع والعز والذل منه، وترى نفسَك لله، والأشياء كلها في قبضته، وأن لا تختار لنفسك غير اختيار، وتعمل لله خالصاً.

يا بني اجتهد في تعلم علم السر، فإن بركته كثيرة أكثر مما تظن، يا بني مَن تعلم علم العلانية دون علم السر هلك وهو لا يشعر. يا بني إن أردت أن يكرمك الله بعلم السر فعليك ببغض الدنيا. واعرف حرمة الصالحين، وأحكِم أمرك للموت، قال الله تعالى: (وقُل ربّ زدني علماً) [9]. (وعلّمك ما لم تكن تعلم) [10] (وعلّمناه من لدنا علماً) [11] إلا أنه قال في موضعٍ آخر: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا) [12]. فرُبَّ رجل كثير الروايات جاهل بالله، إنَّ عِلم المعرفة فضلٌ من الله يؤتيه من اصطفاه مِن خَلقِهِ، واجتباه لصُحبته.

جاء في الخبر: " العلمُ عِلمان، علم باللسان، وهو حجة الله على العباد، وعلم بالقلب، وهو العلم الأعلى" [13] لا يخشى العبد من الله إلا به وقال صلى الله عليه وسلم: "أشدكم لله خشية أعلمكم بالله" [14].

وقال سفيان الثوري [15] رحمه الله: العلماء ثلاثة: عالمٌ بأمر الله غير عالم بالله، فذلك العالم الفاجر الذي لا يصلح إلا للنار، وعالم بالله غير عالم بأمره، فذلك ناقص، وعالم بالله وبأمره به، فهو العالم الكامل.

قيل لبعض العارفين: ما سبيل معرفة الله؟ قال: ليس يُعرَف بالأشياء بل تُعرَف الأشياء به، كما قال ذو النون: عرفتُ الله بالله، وعرفتُ ما دون الله بنور الله.

وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إلهي، لولا أنت كيف كنتُ أعرف مَن أنت؟ ومِثله عن رابعة العدوية قالت لذي النون: كيف عرفت الله؟ قال: رزقني الحياء، وكساني المراقبة، فكلما هممتُ بمعصية ذكرتُ جلال الله فاستحييت منه.

مثل المعرفة كشجرة لها ستة أغصان، أصلها ثابت في أرض اليقين والتصديق، وفرعها قائم بالإيمان والتوحيد.

فأول أغصانها الخوف والرجاء مقرونين بغصن الفكرة.

والثاني: الصدق والوفاء مقرونين بغصن الإخلاص.

والثالث: الخشية والبكاء مقرونين بغصن التقوى.

والرابع: القناعة والرضاء مقرونين بغصن التوكل.

والخامس: التعظيم والحياء مقرونين بغصن السكينة.

والسادس: الإستقامة والوفاء مقرونين بغصن الود والمحبة.

ويتشعب من كل غصن ما لا نهاية له في العدد من أنواع الخير، والصدق في المعاملة، وأنس الصحبة، وفرائد القربة، وصفاء الوقت، وغير ذلك مما لا يصفه الواصفون، وعلى كل شعبة ثمار شتى، لا يشبه لون إحداها الأخرى ولا طعمها، تحتها أنوار التوفيق، جارية من ينبوع الفضل والعناية، والناس في ذلك على تفاوت الدرجات، وتباين الحالات، فمنهم من أخذ بفرعها غافلاً عن أصلها، محروماً من أغصانها، محجوباً عن حلاوة ثمارها، ومنهم من تمسك بفروعها، ومنهم من أخذ بأصلها وأخذ كلها من غير أن يلتفت إلى كلها، لانفراده بوليِّهِ خالقها، مَن لم يكن له نور من سراج التوفيق، ولو جمع الكتب والأخبار والأحاديث كلها، لم يزدد إلا بُعداً ونفوراً، كمثل الحمار يحمل أسفاراً.

يُقال إن رجلاً جاء إلى الإمام علي عليه السلام فقال علمني من غرائب العلم، قال: ما فعلتَ في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: أعرفتَ ربك؟ قال نعم، قال: ما فعلتَ في حقه؟ قال ما شاء الله، قال: فانطلِق فأحكِم هذا، فإنْ أحكمته فَأْتِ أعلمكَ غرائب العلم، قيل: الفرقُ بين علم المعرفة وغيرها كالفرق بين الحي والميت.

حواشي

[1صحيح. رواه أحمد في مسنده (دار الحديث) 10/442 (مسند أنس رضي الله عنه( برقم 12337 ومسلم: الإيمان، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً" رقم 197.

[2سورة المجادلة: 11.

[3سورة فاطر: 28.

[4سورة الزمر: 22.

[5سورة النور: 40.

[6ضعيف. رواه الحافظ عبدالعظيم المنذري وقال: "رواه أبو منصور الديلمي في المسند (مسند الفردوس799) وأبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين التي له في التصوف" [ الترغيب والترهيب (دار ابن كثير وشركائها) 1/135 برقم 141] ورواه الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين (دار المعرفة) 1/20 وقال الحافظ العراقي في تخريجه: "رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد ضعيف".

[7رواه ابن عبد البر في فضل العلم بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه [ كشف الخلفاء (التراث الإسلامي) 2/111].

[8بلخي الأصل، عاش في سمرقند، ومات بها سنة 319 هـ (الرسالة القشيرية 73).

[9سورة طه: 114.

[10سورة النساء: 113.

[11سورة الكهف: 65.

[12سورة العنكبوت: 69.

[13رواه أبو بكر الخطيب في تاريخه (4/346) بإسناد حسن، وابن عبد البر النمري في جامع بيان العلم [(المنيرية) 1/190] عن الحسن البصري مرسلاً بإسناد صحيح، والديلمي في مسند الفردوس (4194) والأصبهاني في كتابه (الترغيب والترهيب 2192) والبيهقي (في شعب الإيمان 1825) عن الفضيل بن عياض من قوله غير مرفوع (الترغيب والترهيب للحافظ المنذري: الحديثان 139و 140) وذكره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين 1/59 و 3/24 وقال زين الدين العراقي في المغني: "أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر (255).. وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد. وأعلّه ابن الجوزي "وإعلال ابن الجوزي له وهم (فيض القدير 4/391) ورواه السيوطي من طريقين: طريق ابن أبي شيبة والحكيم والخطيب عن جابر رضي الله عنه (كنز 28667 و 28947) وطريق أبي نعيم عن يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس رضي الله عنه (كنز 28946) وقال: "وأورده ابن الجوزي في العلل (المتناهية 1/83) من الطريقين" وهو في فهرسة ابن خير 6 وإتحاف 1/85 و 349 و 7/295 والدر المنثور 5/250 وأمالي الشجري (بيروت) 1/60 (موسوعة أطراف الحديث 5/518).

[14إحياء علوم الدين (المعرفة) 1/76 وإتحاف 1/422 والكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر (المعرفة) 139. وعقب الحافظ العراقي على روايته المطولة في الإحياء بقوله: لم أجده هكذا بطوله.

[15سفيان بن سعيد من بني ثور (م مصر) 97-161 هـ.

الرد على هذا المقال