الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث التاسع

الحديث التاسع

الاثنين 6 يونيو 2011

أخبرنا العبد الصالح الثقة أبو غالب عبدالله بن منصور بجامع واسط، أخبرنا أبو عبدالله محمد بن علي بن الحسين السلمي، قال: أنبأنا أبو الحسن بن أبي الفتح الضرير العثماني، قال: أنبأنا عمر بن محمد المقري، قال: أنبأنا عبدالرحمن بن أحمد ابن الحجاج، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن أبي الرجاء، قال: أنبأنا وكيع بن الجراح، قال حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويُخفى عنه كبارها، فيقال له: عملت كذا وكذا، وعملت يوم كذا: كذا وكذا، قال: وهو مُقِرٌّ ليس ينكر، قال: وهو مشفق من الكبار أن يُجاءَ بها، فإذا أراد الله به خيراً، قال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول حين طمع: إن لي ذنوباً ما رأيتها ها هنا "قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه [1]. ثم تلا: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) [2].

وهذا الإشفاق هو شيء من أسرار اليقين بالله، وحال من سلطانه، يفرغه في قلوب أهل المعرفة به، ولهذا الحديث الشريف شأن جليل، يُنبئ عن كرم إلهي فوق تعبير اللسان، يعرفه العارفون، ويزلق به الغافلون، ويزداد خوفاً من الله به الموفقون.

أي سادة، من أراد أن يتكلم بلسان أهل المعرفة، فينبغي أن يحفظ أدب كلامه، فلا يكشف دقائقه إلا عند أهله، وأن لا يُحَمِّلَ المريدَ فوق طاقته، ولا يمنع كلامه مَن كان مِن أهله، ويكون كلامه مع أهل المعرفة بلسان أهل المعرفة، ومع أهل الصفا بلسان الصفا، ومع أهل المحبة بلسان المحبة، ومع أهل الزهد بلسانهم، ومع كل صنف على قدر مراتبهم ومنازلهم، وقدر عقولهم، فإن الله تعالى جعل للعارف هذه الألسن، نعم كلها تتلاشى عند ظهور سلطان الحق، وينبغي أن لا يحدِّث بحديث لا يبلغ عقل المستمع إليه، فيكون ذلك فتنة، فإن أكثر الناس جاهلون، اشتغلوا بعلوم الظاهر، وتركوا علم تصحيح الضمائر، فلا يحتملون دقائق كلام العارفين، لأن كلماتهم لاهوتية، وإشاراتهم قدسية، وعباراتهم أزلية، فلذلك ينبغي للمستمع أن يكون معه السراج الأزلى، والنور الديمومي، ويقال: لسان الحال أفصح من لسان المقال، فمن رضي بالحال دون وَليِّ الحال، صار مخذولاً عن الحال، ومحجوباً عن ذي الجلال، وأي دهشه أشد من دهشة العارف، إن تكلم عن حاله هلك، وإن سكت احترق، فمن وَرَدَ قلبه الحضرةَ كَلَّ لسانُه، ومَن غاب قلبه عن الحضرة كثر كلامه.

قال ذو النون رحمه الله: ما رأيت محدثاً في قوم يحدثهم بغفلة إلا كان ذلك قسوة، وقال بعضهم: سكوت العارف حكمة، وكلامه نعمة، ويقال: ليس على تحقيق في المعرفة مَن يحدِّث بحديث المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف أبناء الدنيا؟ ما تكلمت مع أحد من الناس، إلا ودعوته إلى الله ثم كلمته.

من لم يكن له حلاوة المعرفة، ورؤية المِنَّة، وشكر النعمة، ولذائذ القُربة، وخوف المفارقة، وأُنس الصُحبة، وإخلاص العبادة، وسرور الهداية، فليس له أن يتكلم بكلام أهل المعرفة، وإن تكلم فلا يحمِّل فوق الطاقة، ولا يمنع أهل الحاجة، ولا يضيع أهل الغفلة.

وحُكي أن رجلاً جاء إلى عارف قال: حدثني، فقال: إن مثلي معك كرجل وقع في القاذورات، فذهب إلى العطار، وقال: أين الطِّيْب، فقال العطار: اذهب اشتر الأشنان [3]، واغسل نفسك ولباسك، ثم تعال فتطيب، وكذلك أنت، لطخت [4] نفسك بأنجاس الذنوب، فخذ أشنان الحسرة، وطين وطين الندامة، وماء التوبة والإنابة، وطهر ظواهرك في إجّانة [5] الخوف والرجاء، من أنجاس الجُرم والجفاء، ثم اذهب إلى حمام الزهد والتقى، واغسل نفسك بماء الصدق والصفاء، ثم ائتني حتى أطيِّبك بعطر معرفتي.

قال بعض الناس لعارف: إني لأعرف كلامكم، قال: كلام الأخرس لا يعرفه إلا أمُّه، ومن كلام عيسى عليه الصلاة والسلام: يا صاحب الحكمة، كُن كالطيب الناصح، يضع الدواء حيث ينفع، ويمنع الدواء حيث يضر، لا تضع الحكمة في غير أهلها، فتكون جاهلاً، ولا تمنعها من أهلها، فتكون ظالماً، ولا تكشف سرك عند كل أحد، فتصير مفتضحاً.

وقال ذو النون رحمه الله: رأيت رجلاً أسود يطوف حول البيت ويقول: أنت أنت أنت، ولا يزيد على ذلك اللفظ شيئاً، فقلت: يا عبدالله، أي شيء عَنَيْتَ به، فأنشأ يقول:

بين المحبينَ سِرٌّ ليس يُفشيهِ خَطٌّ ولا قلمٌ عنه فيحيكهِ

نارٌ تقابِلُهُ، أُنسٌ يمازِجُهُ نورٌ يخبِّرُهُ عن بعضِ ما فيهِ

شوقي إليه ولا أبغي له بدلاً هذي سرائرُ كِتمانٍ تُناجيهِ

حواشي

[1سلم: الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم 190، ولفظه: "عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها. رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا. وعملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا. فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا "فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. وأخرجه الترمزي في صفة جهنم، الباب العاشر، رقم 2599 وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[2سورة الفرقان: 70.

[3الأشنان (بضم الهمزة وكسرها): شجر من الفصيلة الرمرامية ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي (المعجم الوسيط).

[4لطّخت: دنّست.

[5الإجّانة: إناء تغسل فيه الثياب.

الرد على هذا المقال