الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث التاسع عشر

الحديث التاسع عشر

الأربعاء 15 يونيو 2011

أخبرنا الفقيه الصالح بندار بن بختيار الواسطي، قال: أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد المهدي الهاشمي، قال أنبأنا أبو عثمان إسماعيل بن محمد، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبدالله الضبي، قال أنبأنا سليمان بن أحمد، قال: أنبأنا إدريس بن جعفر العطار، قال: أنبأنا يزيد بن هارون بن محمد، عن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن، عن عبدالله بن عمرو، قال: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فقال: " يا عبدالله بن عمرو، ألم أخبر أنك تكلّف قيام الليل وصيام النهار؟ قلت: إني أفعل، قال: " إن حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، الحسنة بعشر أمثالها، فكأنك صمت الدهر كله" [1].

ففي هذا الحديث الشريف أسرار، منها البشارة بتواصل نور الأعمال، وبنور الأعمال من دون انقطاع، وإن تباعدت الأوقات، ومنها مضاعفة ثواب العمل لهذه الأمة، الحسنة بعشر أمثالها، لتنشط قلوبهم لعمل الخير، ومنها الأمر بعدم التكلف، الذي يُفضي بالعبد إلى السأم والملل، ومنها لزوم التذكر، حتى لا تطمّ القلوبَ الغفلةُ، ومنها الإيمان القطعي بوعد الله وحسن كرمه، وكل هذه الخصال خصال العارفين، الذين انقطعوا عن كل الهموم الدنيوية والأخروية، وصار همهم ربهم ومن كان همه ربه فلا هم له.

قال يحيى بن معاذ في مناجاته: إلهي إن عرفتك فأنت الذي قد هديتني، وإن طلبتُكَ فأنت الذي أردتني، وإن أجبتك فأنت الذي اخترتني، وإن أطعتك فأنت الذي وفقتني، وإن أنبت إليك فأنت الذي آويتني، وإن الله تعالى لا يَكِلُ العارفين إلى أنفسهم، ولا إلى طاعاتهم، ولا إلى ذكرهم، بفضله ورحمته، بل يكلؤهم بأكاليل شفقته، ويمطر عليهم أمطار رحمته، من سحائب فضله وعنايته.

ورُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف لي أن أؤدي شكر نعمك، ولك عليّ في كل شعرة نعمتان؟ فقال له: يا موسى، إذا عرفتَ أنك عاجز عن شكري فقد شكرتني، وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: اشكر نعمتي عليك. فقال: إلهي كيف لي أن أشكرك وشكري لك على النعم أعظم نعمة علي؟ فأوحى الله تعالى إليه: إذا علمت ذلك فأنت أشكر العباد لي.

وقال محمد بن السمّاك [2] اذكُر مَن كان ذكره لك قبل ذكرك، وحبه قبل حبك، وما ذكرته إلا بذكره لك، وما أحببته إلا بحبه لك. وقال أبو بكر الواسطي: من نسى ذكر الله تعالى كان مستدرجاً.

واعلم أن أدنى أوصاف العارف، عيش القلب مع الله بلا علاقة، وذلك من ذكر الله إياه، وذلك بيِّنٌ في قول الله تعالى (ولذكر الله أكبر) [3]
وقيل في قوله تعالى: ( وقليلٌ من عبادي الشكور) [4]، أي قليل من يرى مِنَّتي عليه عند شكره لي.

ورُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: إلهي كيف استطاع آدم أن يشكر نعمتك، إذ خلقته بيديك، ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت

الملائكة فسجدوا له؟ فقال الله: يا موسى، علم آدم ذلك مني فحمدني عليه.

فمن أطاعه فبتوفيقه أطاعه فله المنة، ومن عصاه فبمقدوره عصاه، فله الحجة عليه، فقد سبق فضله لمن أطاعه قبل طاعته، وقد سبق عدله لمن عصاه قبل معصيته إياه، لأنه الفعّال لما يريد.

وروي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: إلهي لولا أنت كيف كنت أعرف مَن أنت؟ وقيل لأبي عبدالله: ما لنا نحب المدح والثناء؟ فقال: لنسيان امتنان الله عليكم، وحسن عنايته التي سبقت منه لكم، فمن نسي المنة، وجحد النعمة، قُلبت له النعمة نقمة.

يا بنيّ، إن الله تعالى أعطاك المعرفة، ووفّقك لطاعته من غير إحسان سبق منك، ومن غير شفاعة كانت لأجلك، فينبغي أن تشتغل بذكره وخدمته، من غير طلب عِوَض ومكافأة منه، فأهل الذكر أصناف مختلفة، فمنهم مَن يذكر على جهة مِنّة الإسلام، ومنهم على جهة السُنة والجماعة، ومنهم مَن يذكره على جهة منة ذكره، حتى يصير قلبه والهاً [5]، ولسانه كليلاً، وعقله هائماً ويصير في عظمته مبهوتاً، ويتيه في كرمه، ويُدهَش في محبته، لما علم أن الأعمال لا تقوم إلا به، والذكر على جهتين، ذكر يتولد منه الخوف والخشية، وذكر يتولد منه الشوق والمحبة، فأما ما يُنتج الخوف والخشية، فهو ذكر مَن يذكر الله مع نفسه، ويرى ذكر الله له سبب ذكر الله تعالى، ويعلم أنه بذكر الله يصل إلى ذكره إياه، وأما الأخر فهو الذكر الذي تذكّر ذكر الله له في الأزل، حيث لم يكن موجوداً، إلى أن يصير في الدنيا مفقوداً، ثم إلى الأبد، فوجد ذكر الله له سابقاً أزلياً، خالداً أبدياً، وذكره مكدراً بالشهوات، ممزوجاً بالغفلات، فشتان بين من يدخل على الله برؤية ذكره، وبين من يدخل على الله برؤية فضله ومنته، واعلم أن ذكر العبد لله تعالى، في إضافة ذكر الله للعبد، كالغبار تحت الأمطار.

بذكرِكَ تحيا مُهجتي يا مؤمِّلي وذكرُكَ لي من قبل ذكريَ أكبرُ

مننتَ بطَولٍ [6] لا أقومُ بشكرِهِ فأيَّ أياديكَ الجزيلة أشكُرُ؟ [7]

حواشي

[1صحيح. رواه أحمد في مسنده (مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبيصلى الله عليه وسلم) برقم 6878، وزاد عبارة: " ولا أقول افعل" فروايته: " إن حسبك- ولا أقول أفعل – أن تصوم من كل شهر.. الحديث. وهو في البخاري الصوم، باب صوم الدهر، رقم 1875، ومسلم: الصيام، باب النهي عن صوم الدهر 1159.

[2ابو العباس محمد بن السماك، مات بالكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة (الطبقات الكبري للشعراني (الفكر) 1/61].

[3سورة العنكبوت: 45.

[4سورة سبأ: 13.

[5وله (بفتح اللام) حار من شدة الوجد.

[6طول (بفتح الطاء) فضل.

[7أياديك: نعمك.

الرد على هذا المقال