الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث التاسع والثلاثون

الحديث التاسع والثلاثون

الخميس 23 يونيو 2011

أخبرنا شيخنا منصور الرباني رضي الله عنه، عن أبيه سيدي يحيى النجاري، عن سيدي أبي محمد الشنبكي الأنصاري ثم الحسيني الحسني، عن الشيخ أبي بكر بن هوار البطايحي، عن سيدي سهل بن عبد الله التستري، عن الشيخ ذي النون المصري، عن الشيخ إسرافيل المغربي، عن الإمام موسى الكاظم، عن أبيه الإمام جعفر الصادق، عن أبيه الإمام محمد الباقر، عن أبيه الإمام زين العابدين علي عن أبيه الإمام الحسين عن أبيه الإمام علي المرتضى رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نظر الولد إلى والديه عبادة" [1]. قلت: وفي هذا الحديث الشريف، من إعظام شأن الحب لله، ما يرفع بهمم المحبين إلى الله، فإن النظر في الله عبادة، وكذلك أي بني، فاعلم أن عالِمَ أسرار المحبين، والمطلع على همة المشتاقين، طيَّب الدنيا للعارفين بذكر الخروج منها، كما طيب الجنة لأهلها، بذكر الخلود فيها، ولا شيء أحب إلى المحب من لقاء المحبوب، ولولا الآجال التي كتبها الله على المشتاقين لماتت أرواحهم في أبدانهم، لشدة الاشتياق إليه.

قال أنس: قيل يا رسول الله، لو شاء الله أن يدوم البقاء لأوليائه في الدنيا، فقال: يأبى الله أن يجعل الخلود لأوليائه في الدنيا، بل اختار لأوليائه وأحبائه، ما عنده من جزيل كراماته، أما تعلمون أن الحبيب يشتاق إلى الحبيب، فطوبى لمن كان روحه وراحته في لقاء الله.

وحكي أن أبا هريرة قال لرفيق له: أين تذهب؟ فقال: أشتري شيئاً لأهلي، فقال أبو هريرة له: إن قدرتَ أن تشتري الموت لي فافعل، فإنه طال شوقي إلى ربي، وإن الموت أحب إليَّ من شرب الماء البارد للعطشان، وأحلى من العسل، ثم بكى بكاء شديداً، وقال: واشوقاهُ إلى مَن يراني ولا أراه، وغُشي عليه.

قيل لأويس [2] كيف أصبحت، قال: كيف يصبح مَن إذا أصبح لا يشتهي أن يُمسي، وإذا أمسى لا يشتهي أن يصبح، وطال شوقه إلى مُنى قلبه.

قال مالك بن دينار: كنت أسير في بعض حيطان البصرة، فرأيت شاباً مريضاً، أشعث أغبر، مستقبلاً للقبلة، يقول: قرة عيني طال شوقي إليك، وما آن أن ألقاك، فإلى متى تحبسني عنك؟ فقلت: يا شاب هذا الوقت الذي يطلب فيه الأحبة محبوبهم؟ فقال: الحبيب في كل الأوقات موجود، ليس بمفقود، بل هذا الوقت الذي تظهر الأحبة احتراقهم بحبيبهم، ويكشف المشتاقون كتمان سرائرهم، بهيجان نيران الاشتياق إلى مُناهم.

وحكي أن رجلاً من أهل البصرة، بكى على شوقه حتى ذهبت عيناه، ثم قال: إلهي إلى متى لا ألقاك؟ فبعزتك لو كانت بيني وبينك نار تلتهب، ما رجعت عنك بعونك وتوفيقك، حتى أصل إليك، ولا أرضى منك بدونك.

قيل: كان لفتح الموصلي ابنتان عارفتان فخرجتا إلى الحج، فلما وقعت أعينهما على البيت، قالت إحداهما للأخرى: يا هذه أهذا بيت ربي؟ فقالت الأخرى: نعم، فصاحت صيحة وماتت من ساعتها وقالت الأخرى: إلهي أشكو من نفسي إليك، وقد طال شوقي إليك آه آه آه، وتقولها حتى ماتت.

وقيل لأبي بكر الواسطي رحمه الله: ما حظيرة القدس؟ قال: هي حظيرةٌ جعلها الله لاستماع كلامه ومناجاته، والنظر إلى وجهه، حيث شاؤوا ومتى شاؤوا، وتلا قوله: ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) [3].

قال إبراهيم بن أدهم [4] دخلت جبل لبنان فإذا أنا بشاب قائم يقول: يا مَن قلبي له محب، ونفسي له خادمة، وشوقي إليه شديد، متى ألقاك؟ فقلت: رحمك الله ما علامة حب الله؟ قال: حب ذكره، قلت: فما علامة المشتاق؟ قال: أن لا ينساه في كل حال.

بعض أهل المعرفة حضرته الوفاة، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: كيف لا أبكي وأنا أبقى منك فرداً، قال: يا هذه أنا منذ أربعين سنة بكيت شوقاً إلى هذا اليوم، فإنه يوم وصلتي وأُلفتي وراحتي، فمرحباً به.

وحكي أن الحسن البصري رضي الله عنه حضرته الوفاة، وكانوا يلقنونه الشهادة، ففتح عينيه وقال: إلى متى تدعونني إليه وأنا محترق به منذ عشرين سنة.

وسئل سهل بن علي عن خفقان قلب الخليل، وأزيز قلب المصطفى صلى الله عليهما وسلم، فقال: خفقانه من الخوف، وأزيزه من الشوق.

وبكت رابعة العدوية عند موتها، وضحكت من ساعتها فقيل لها في ذلك، فقالت: أما بكائي فمن مفارقتي الذكر آناء ليلي ونهاري، وأما ضحكي فمن سروري بلقائه، وماتت من لحظتها.

ومرض أبو الدرداء رضي الله عنه فقيل له: ألا ندعو لك طبيباً يداويك؟ فقال: الطبيب أمرضني، طال شوقي إلى ربي، وإلى قرة عيني محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى إخواني الذين مضوا من قبلي، وإني أخاف أن أفرَّق عنهم.

وكان ذو النون يقول ليلةً إلى الصباح: المستغاث المستغاث، ثم دخله السكينة، فقيل له في ذلك، فقال: نظرت البارحة بعين السر، في ملاحظة الحق حتى بسط إلى بساط محبته، وغلبني الاشتياق إليه، فاستغثتُ إليه بالخروج من الدنيا، كما يستغيث أهل النار بالخروج منها، ثم نظرت إلى سرور المجتهدين في الدنيا، ومؤانسة المريدين في ظلم الليالي، وافتراشهم الجبهة بين يدي علام الغيوب بصفاء القلوب، فدخلتْ عليّ السكينة.

قال عقبة بن سلمة: ما من ساعة يكون العبد أقرب إلى الله من حين يخر ساجداً، وما من خَصلة في العبد أحب إلى الله من الشوق إلى لقائه. وفي الخبر: "نعم التحفة للمؤمن لقاء مولاه" [5]. قال محمد بن يوسف [6] لو خيرت بين أن أعيش في الدنيا مائة سنة أعبد الله تعالى لا أعصيه طرفةَ عين، وبين أن أموت لاخترت الموت، قيل: ولم ذلك؟ قال: من شدة اشتياقي إليه.

حواشي

[1ذكر السيوطي عدة أحاديث في هذا المعنى، أنقلها بأرقامها في كنز العمال للمتقي علي الهندي:34714 النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر في وجه الوالدين عبادة، والنظر في كتاب الله عبادة (أخرجه ابن أبي داود في المصاحف عن عائشة رضي الله عنها، وفيه زافر، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه).45536 النظر في ثلاثة أشياء عبادة: النظر في وجه الأبوين، وفي المصحف، وفي البحر (أخرجه أبو نعيم في الحلية عن عائشة رضي الله عنها). 45496 ما من رجل ينظر إلى وجه والديه نظرة رحمة إلا كُتب له بها حجة مقبولة مبرورة (أخرجه الرافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما) وأخرجه الحاكم في تاريخه وابن النجار عنه [ انظر كنز 45535]. وفي أسنى المطالب (طبعة الحلبي) خبر: ( نظرة إلى وجه العالم أحب إلى الله من عبادة ستين سنة): لا يصح، وكذا النظر إلى الوالد . وإن كان كل منهما محبوباً شرعاً" [ أسنى المطالب للبيروتي (محمد بن السيد درويش) ص 237].

[2أويس بن عامر القرني: تابعي من الصالحين، توفي سنة 37 هـ.

[3سورة فصلت: 31.

[4إبراهيم بن أدهم بن منصور. توفي سنة 161 هـ.

[5رواه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (ابن كثير) 4/299 برقم 5123 بلفظ: " تحفة المؤمن الموت" وقال: رواه الطبراني بإسناد جيد. وهو في الإحياء 4/450 وقال الحافظ العراقي: أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت.. " والمستدرك (كتاب الرقاق) 4/319 وصححه، ومجمع الزوائد 2/320 وكنز 15/42110 وكشف الخفاء 1/352 وقال: رواه ابن المبارك.. وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأكثر رواياته عن ابن عمر، وفي المستدرك عن ابن عمرو رضوان الله عليهم، ورواه الديلمي عن الحسن بلفظ "تحفة المؤمن في الدنيا الموت". ] كشف 1/352[ ورواه الدارقطني عن جابر رضي الله عنه بلفظ "الموت تحفة المؤمن" [ كنز 15/42138 ورواه العجلوني بهذا اللفظ وقال: رواه الديلمي عن جابر بزيادة: " والدرهم والدنيار مع المنافق، وهما زاده إلى النار" ورواه عن عائشة رضي الله عنها بهذا اللفظ: الموت غنيمة، والمعصية مصيبة، والفقر راحة، والغني عقوبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له" [ كشف الخفاء (التراث الإسلامي) 2/401 برقم 2667].

[6محمد بن يوسف الأصفهاني، توفي 184 هـ [ الشعراني 1/61].

الرد على هذا المقال