الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث الحادي عشر

الحديث الحادي عشر

الثلاثاء 7 يونيو 2011

أخبرنا شيخنا الإمام المقرئ الجليل الشيخ أبو الفضل علي الواسطي قدس الله روحه، قال: أنبأنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد الواعظ، قال: أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الرحمن الجمحي، قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز، عن ابن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي جندب، عن أبي الخير، عن عقبة ابن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس، أو قال: يحكم بين الناس" [1] هذا لكونه ترك شيئاً قليلاً مما تحبه نفسه لربه، فكيف إذا خرج عن نفسه بالكلية؟
روي أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود عليه السلام: بشِّر المُذنبين بأني غفور، وأنذر الصِدِّيقين بأني غيور.

ورُوي أن يوسف عليه الصلاة والسلام: لما ألقي في الجب، كان يقول: من لعب في خدمة مولاه، فغيابة الجب مأواه، وهنا كلمات من طرائف مختصرات القوم، تنشط بها همم الموفقين، يقول قائلهم رضي الله عنهم: حُقَّ لمن عرف المولى، أن لا يشكو من البلوى، إذا لم يعرف العبدُ المولى، فكل لسان له دعوى، ليس للعارف دعوى، ولا للمحب شكوى، إذا سبقت من الرب العناية، هُزِمَت من العبد الجناية، إذا سبقت العناية، وجبت الولاية، بالعناية تحصل الولاية، والولاية تهدم الجناية، ليس الشأن في الولاية، لكن الشأن في العناية، لم يُدرِك الولايةَ مَن فاتته العناية، المُصِرُّ من أَسَرَّ السِّر، طرحُ الخلق وجودُ الحق، اطرح الدعوى تجد المعنى، مَن كان له باطنٌ صحيح، فجميع كلامه مليح، لا تغتر بصفاء الأوقات [2]، فإن تحتها فنون الآفات، لا تغتر بصفاء العبودية، فإن فيها نسيان الربوبية، خل الدارين للطالبين، واستأنس برب العالمين، استَهْدِ بالله فنِعمَ الدليل، وتوكل عليه فنعم الوكيل، ما دام قلب العبد بغير الله معلقاً، كان باب الصفاء عنه مُغلقاً، الأُنس بالله نورٌ ساطع، والأنس بالمخلوق هَمٌّ واقع، مَعدِنُ الأسرار قلوبُ الأبرار، قلوب الأبرار حصونُ الأسرار، القلب إذا ابتُلي بالمربوب، عُزِلَ عن ولاية المحبوب، خيرُ الرزق ما يكفي، وخيرُ الذكر الخفي، توكل تُكفَ وسَلْ تُعطَ، ليس باللبيب مَن اختار على الحبيب، بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، العبدُ إذا سخط عليه مولاه، سَخِطَ عليه ما سواه، وإذا رضي عنه مولاه، رضي عنه ما سواه، عُذْرُ الحبيب عند الحبيب مبرور، وذنبُ الحبيبِ عند الحبيبِ مغفور، مَن أراد المولى فليتهيأ للبلوى.

هَوِّن الدنيا وما فيها عليك واجعل الحزن لِما بين يديك

الموت جِسرٌ مَهيب، يُوصِل الحبيبَ إلى الحبيب، ينبغي أن يكون العبدُ مشغولاً بما يكون غداً عنه مسؤولاً، اجعل التُقى جليسَك، والدعاءَ أنيسك.

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ [3]

الحبُّ يُحرق، والشوقُ يُقلق، وهذا سرورُ الخير، فكيف سرورُ النظر؟ كل نعمة دون الجنة فانية، وكل بلاء دون النار عافية [4]، التوبة تطهر الحوبة [5]، الاعتراف يهدف الاقتراف، هَب أن اللهَ قد عفا عن المُسيئين، أليس قد فاتهم ثوابُ المُحسنين، أعِدّ للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك، الرزقُ مقسوم، والحريصُ محروم، العبدُ حُرٌّ إذا قنع، والحُر عبدٌ إذا طمع، أخرج الطمع من قلبك، تحلّ القيدَ من رِجلك، قَدِّم إلى الحشر زادك، فإن إلى الله مَعادك، الدنيا دنيّة، وحُبها خطيّة [6]، والدنيا ساعة، فاجعلها طاعة، الدنيا كلها غرور، والعقبى كلها سرور، الدنيا معدن الخَطا، والعُقبى معدن العطا [7]، الدنيا معدن الجفاء، والعقبى معدن الوفاء، أساس التقوى ترك الدنيا، أخوف الناس آمنهم، ما أغفلك عما خُلقت له، وما أعجزك عما أُمِرتَ له، منعك طولُ الأمل، عن ذكر أغفلك عما خُلقتَ له، وما أعجزك عما أُمِرتَ له، منعك طول الأمل، عن ذكر الأجل، لا تَعصِ مولاك بطاعة هواك، رأس الوفاء تَرْكُ الجفاء، إن أردتَ المكارم، فاجتنب المحارم، قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، المؤمن كثيرُ الفِعال، قليلُ المَقال، والمنافقُ قليلُ الفِعال، كثيرُ المقال، اتق الله إذا خلوت، يَستجب لك إذا دعوت، غضبُ اللهِ أشدُّ من ناره، ورضوانُهُ أكبرُ من جنته، دع التدبيرَ إلى الملك الخبير، طَلَبُ الحلال، أشدُّ من نَقْل الجبال، كل همٍّ وذكر لغير الله فهو حِجاب بينك وبين الله، لا تقع المؤانسة بين العبد وربه، حتى تقع الوحشة بينه وبين خلقه، لا يصل العبدُ إلى الحق، حتى يعتزل عن صُحبةِ الخَلْق، حسبي من سؤالي عِلمُهُ بحالي.

كلُّ محبوبٍ سوى اللهِ سَرَفْ وعناءٌ وبلاءٌ وتَلَفْ

وهمومٌ وغمومٌ وأسَفْ ما خلا الرحمنَ ما عنهُ خَلَفْ

ما رأيتُ مثل الجنةِ نام طالِبُها، ولا مثل النار نام هاربُها:

دُرْتُ حولَ المَشْرِقَيْنِ ثمَّ دُرْتُ المغرِبَينِ

فوجدتُ الأمرَ كُلاَّ لمَليكِ الثَقَلَيْنِ

حُبُّهُ مُنيَةُ قلبي ذِكرُهُ قُرَّةُ عَيني

حواشي

[1صحيح. وأوله: "كل امرئ في ظل صدقته.. " الحديث. أخرجه ابن المبارك في الزهد (دار الكتب العلمية) الجزء الخامس: باب الصدقة ص 227 برقم 645 وأحمد في المسند (دار الحديث) 13/343 برقم 17266 (من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم) وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لللهيثمي (الرسالة) 1/362 برقم 817 (الإحسان 3310) وابن خزيمة 4/94 رقم 243 وحلية الأولياء 8/181 والحاكم في المستدرك: الزكاة 1/416 وصححه ووافقه الذهبي في التلخيص، وعنه وعن المسند في كنز العمال 16068 والسخاوي في المقاصد الحسنة 224 والغزالي في إحياء علوم الدين 1/225 و 3/88 والعراقي بهامشه، وإتحاف السادة المتقين 4/167 و 7/401 وشرح السنة للبغوي 6/136 ومجمع الزوائد (الفكر) 3/285 رقم 4612 والدر المنثور 1/355 و 2/16 (موسوعة أطراف الحديث 6/423) كلهم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

[2الوقت: "حادث متوهم علّق حصوله على حادث متحقق، فالحادث المتحقق وقت للحادث المتوهم، تقول: آتيك رأس الشهر، فإلاتيان متوهم، ورأس الشهر حادث متحقق، فرأس الشهر وقت الإتيان.. وقد يعنون بالوقت ما هو فيه من الزمان" (القشيرية 114).

[3عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.. " [ البخاري: الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه رقم 5795 ومسلم: أوائل كتاب الشعر رقم 2256].

[4أمثال هذه العبارة للسيد الإمام الرفاعي تسدد فهم موقف أهل التحقيق من نعيم الآخرة وعذابها، فهم لا يستهترون حيالهما، ولا يُقِلّون من شأنهما، إنما يعظمون الله عز وجل فهو سبحانه الغاية، وهو يستحق العبادة حتى لو لم يخلق جنةً ولا ناراً، فكيف وأمام الناس إما جنة نعيم أو عذاب مقيم؟ ومعروف أن السيدة رابعة العدوية كانت من أكثر من ذاعت عنه هذه المقولة، لكنها من المؤكد أنها كانت ترجو رحمة ربها وتخشى عذابه، وقال عبد الوهاب الشعراني: " كانت (رابعة) رضي الله عنها كثيرة البكاء والحزن وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زماناً" (الطبقات الكبرى (دار الفكر) 1/65).

[5الحوبة: الإثم.

[6خطيّة: خطيئة.

[7الخطا: الخطأ، والعطا، : العطاء، خفّف همزة "الخطأ" ، وقصر " العطا" لإقامة السجع.

الرد على هذا المقال