الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث الثاني والعشرون

الحديث الثاني والعشرون

الأربعاء 15 يونيو 2011

أخبرنا الشيخ الثقة العارف بالله تعالى عبدالملك بن الحسين الحربوني قدس الله روحه، قال: أخبرنا أبو مطيع محمد بن عبدالواحد الأديب، قال: أنبأنا أبو بكر عبدالله بن أحمد بن العباس الباطرقاني، قال: أنبأنا سليم بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الديري، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا وكونوا إخواناً كما أمركم الله تعالى" [1].

هذا الحديث الشريف تضمَّن من أسرار المعرفة بالله العجائب، فإنه أمر بالتخلي عن الصفة الإبليسية، وهي الحسد، ثم بالتجرد من الصفة النفسانية، وهي البغض لغير الله تعالى، ثم بالترفع عن الصفة السافلة الهوائية، وهي التجسس، ثم بعد أن أكمل درجات التنقية، أمر برؤية عدم الفَرقية بين المرء وبين إخوانه، وأن هذا من أمر الله تعالى، وإذا كملت للعبد هذه الخصال، فقد أحكم شأن المعرفة بالله، ومن هذا السر قول سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: "مَن عرف نفسه فقد عرف ربه" [2].

أي بني، اعلم أن العبد بين الله وخلقه، إن التفتَ منه إلى الخَلق تجرد عن الحق، وصار متروكاً محروماً مخذولاً، وإن التفت إلى الله عن الخلق، قرَّبه الله وأدناه، وأوصله إلى قُربه، فإن الله تعالى إذا أحب عبداً غار عليه قَدْرَ قربه منه، وحبه له، ولم يحتمل منه الالتفات إلى شيءٍ سواه، فإنه إن نظر إلى شيءٍ دونه عذَّبَهُ الله بذلك الشيء، وجعله وبالاً عليه، أما ترى أن إبليس لعنه الله نظر إلى نفسه، وقال عن آدم: أنا خيرٌ منه، فلعنه وطرده، وكذلك نظر فرعون إلى ملكه وقال: أليس لي ملك مصر فغرَّقه، وقارون نظر إلى ماله وقال: إنما أوتيته على علمٍ عندي، فخسف الله به وبداره الأرض، وكذلك الملائكة، نظروا إلى تسبيحهم وتقديسهم حيث قالوا: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فابتلاهم الله تعالى بالسجدة لآدم وكذلك كل مَن قال أنا يقول الله تعالى لا بل أنا، ثم يردّه إلى أسفل السافلين، وكل مَن يقول: أنتَ الله، يرفعه إلى أعلى عِلّيين.

والالتفاتُ على وجهين، التفات العين، والتفات القلب، فالتفاتُ العين مثل ما قال الله تعالى لمحمد حبيبه عليه الصلاة والسلام: (ولا تمُدَّنَ عينيك إلى ما متعنا به) [3] الآية، ثم مَنَّ عليه لمّا عصمه حيث قال تعالى: ( ولولا أن ثبتناك لقد كدتَ تركنُ إليهم شيئاً قليلاً) [4]، ثم مدحه بترك الالتفات إلى ما سواه، في قوله تعالى: (ما زاغ البصرُ وما طغى) [5]، ثم أورثه ذلك الترك الكُلّي أن رُفِعَ له الحجاب، حتى رأى ما رأى في قوله تعالى: (ولقد راءهُ نزلةً أخرى) [6].

وإن موسى عليه الصلاة والسلام: ( قال ربي أرني أنظر إليك) [7] قال: انظر إلى الجبل، ولن تراني بعد أن نظرتَ إلى غيري.

كان بعض العارفين يطوف حول الكعبة، فناداه واحد، فخطر بباله أن يلتفت إليه، فسمع هاتفاً يقول: ليس مِنّا مَن التفتَ إلى غيرنا.

وحُكي أن آخر كان يطوف حول الكعبة، فنظر إلى امرأة، فظهرت يدٌ من الهواء وفقأت عينه، ثم نودي نظرتَ بعينك إلى دوننا ففقأناها ولو نظرتَ بقلبك إلى غيرنا لكويناه.
وقال ذو النون: مَن نظر من توحيده إلى نفسه لم يُنجِه التوحيد من النار، ومَن التفتَ من الصلاة إلى غيرها فقط سقط عن درجة المصلين، ومَن التفت من وقته إلى وقته ذهب عنه الوقت وهو لا يشعر، وفي الخبر: " إذا التفتَ العبدُ في الصلاة، يقول الله: عبدي تلتفتُ إلى مَن هو خير لك مني؟ أقبل ولا تُعرض بوجهك عني فإني إذاً أعرضُ عنك" [8].

قال النبي عليه الصلاة والسلام: " أتاني جبريل بمفاتيح خزائن الدنيا، فلم ألتفت إليها ولم أقبلها" [9] قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: أصبحتُ وقد مَنَعَ الكونين عني، ومنعني أن أنظر إليهما.

وقال العارف السقطي رضي الله عنه: كنتُ في طلب صديقٍ لي ثلاثين سنة فلم أظفر به، فمررتُ يوماً في بعض الجبال، فإذا هو قائمٌ على صخرة، فدنوت منه وأخذت ذيله، فقال، خل عني يا سري، فإن الحق غيور، فلا يراك تأنس بغيره، فتسقط من عينه.

وحكي أن رابعة كانت في طريق مكة فأقبل إليها رجل وقال: يا هذه كُلّي بكُلِّكِ مشغول، فقالت: إن كنتَ صادقاً فكُلّي لكُلِّكَ مبذول، إلا أن لي أختاً أحسن مني وهي وراءك، فالتفت الرجل فلطمته رابعة على وجهه، وقالت: إليك عني يا بطّال، ادعيتَ محبتنا ثم نظرتَ إلى غيرنا، رأيتك من بعيد، فقلتُ: وجدتُ عارفاً، فلما تكلمت قلت: وجدت عارفاً، فلما جربتك وجدتك كذاباً، ما رأيت معك صفاوة العارفين ومروءتهم، ولا طريقة العاشقين وصيانتهم، فصاح الرجل، وجعل التراب على رأسه، وقال: ادعيتُ محبة مخلوق فأعرضتُ عنه، فجاءت اللطمة على وجهي، فأخاف أن أدعي محبة الخالق، فإذا أعرضت بقلبي أن تكون اللطمة على قلبي.

وأما الالتفات بالقلب، فقد حُكي أنه كان لفتح الموصلي [10] صبي، فيوماً من الأيام عانقه وقبّله فنودي من الهواء: يا فتح ادعيت محبتنا وفي قلبك حب غيرنا، فصاح صيحةً خرَّ مغشياً عليه.

ونظرت رابعة البصرية إلى رباح القيسي [11] وهو يُقبِّل صبياً من أهله، فقالت: أتحبه؟ قال: نعم، قالت: ما كنت حسبت أن في قلبك موضعاً فارغاً لمحبة غيره، ففزع القيسي فزعاً شديداً حتى غُشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه. قال صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لكن خليلي الله [12].

وحُكي أن داود عليه الصلاة والسلام استقبله رجل في بعض سياحاته، فقال: أين تريد؟ قال: استوحشت عن الناس، واستأنست بالله. فقال له الرجل: هذا من قِبَلِكَ أم من قِبَلَ الله؟ قال: فسقط داود مغشياً عليه، ثم أفاق وقال: نبهك الله كما نبهتني.

وقال بعضهم: إن الله تعالى أمر قوم موسى بقطع رؤوسهم حين سجدوا للعجل، بعد أن سجدوا لله تعالى، فقال:

رأسٌ سجد لي ثم سجد لغيري فلا يصلح لي، فكذلك القلب.

وبلغنا أن داود عليه الصلاة والسلام قال: أوتيت ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وهممتُ بما همَّ به الناس وما لم يهموا ، فوجدت الأشياء كلها لله، والأمور كلها بيد الله والحاصل من الدارين وما فيهما هو لله، فلا ينبغي لمن ادعى محبته، أن يكون في قلبه حب لغيره، قالت رابعة:

يا حبيبَ القلوبِ مَن لي سواكا إرحم اليومَ مُذنباً قد أتاكا [13]

يا حبيبي وصفوتي ورجائي كذب القلبُ إن أحَبَّ سواكا

يا أنيسي ومُنيتي ومُرادي طال شوقي متى يكون لقاكا؟

حواشي

[1صحيح. رواه البخاري في النكاح، باب: لا يخطب على خطبة أخيه، رقم 4849 وفي الأدب، باب ما يُنهي عند التحاسد والتدابر 5717 و 5718 وباب: ( يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا) [ الحجرات 12] رقم 5719 ومسلم: البر والصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، رقم 2559.

[2تقدم تخريجه في ثنايا دراسة الحديث الثامن.

[3سورة طه: 131.

[4سورة الإسراء: 74.

[5سورة النجم: 17.

[6سورة النجم: 13.

[7سورة الأعراف: 143.

[8يكره الالتفات في الصلاة بلا حاجة مهمة.. ودليل كراهة الالتفات لغير حاجة باتفاق المذاهب حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفت في الصلاة فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من العبد" (رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود [ نيل الأوطار 2/327، نصب الراية 2/89] وحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته، ما لم يتلفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه" (رواه أحمد والنسائي وأبو داود [ المصدران السابقان]) [ الدكتور وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (ط4 ) 2/965.

[9في البخاري: الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " نُصرت بالرعب مسيرة شهر" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أُوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي" ورواه مسلم: أوائل كتاب المساجد 523. وقال عبدالله بن المبارك: أخبرني الأوزاعي عن عبدالله بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتاني جبرئيل بمفاتيح خزائن الأرض، فو الذي نفسي بيده ما بسطتُ إليها يدي"، قال عبدالله بن عبيد: لو علم أن فيها خيراً لبسط إليها يده [ عبد الله بن المبارك: الزهد (دار الكتب العلمية) ص 265 رقم الحديث 767].

[10فتح بن سعيد الموصلي: كان من أكابر الأولياء وأعاظم الأصفياء. من كراماته أنه كان يمشي على الماء.. مات سنة 320 [ جامع كرامات الأولياء (الفكر) 2/437].

[11أبو المهاجر رباح بن عمرو القيسي (الطبقات الكبرى للشعراني (الفكر) 1/46].

[12صحيح. رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه 2383 والترمذي: المناقب، باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه 3656.

[13قُطعت همزة الوصل في " ارحم " لضرورة الشعر.

الرد على هذا المقال