الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث الرابع والثلاثون

الحديث الرابع والثلاثون

الأربعاء 22 يونيو 2011

أخبرنا شيخنا القاضي القدوة أبو الفضل علي الواسطي، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد، قال: أنبأنا أبو عبدالله الحسين، قال: أنبأنا أحمد بن بكير بن حامد، عن حمّاد العسكري، عن إسحاق بن سيار، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن وُلد له مولود فسماه محمداً تبركاً به، كان هو ومولوده في الجنة" [1].

في هذا الحديث الشريف مِن سِرِّ الحب له صلى الله عليه وسلم ما يفهمه أهل الخصوصية، فإنهم بذكر اسمه المبارك ترتاح هممهم للتخلق بأخلاقه الزكية، وللتشبث بأذياله، فتراهم لا تقف هممهم في طريق متابعته وقفة المشغول بالدنيا، بل هم متنبهون خاشعون، ومن الله خائفون، ولنبيهم متبعون، وبسنته عاملون، وأولئك هم العارفون.
أي بني، اعلم أن أهل المعرفة يبكون إذا ضحك أهل الغفلة، ويحزنون إذا فرح أهل الغِرَّة، قال الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) [2] وقوله: (وجوه يؤمئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة) [3] وأن الله تعالى ذكر من دلائل المعرفة ومن علامات العارفين كثرة البكاء وسيل الدموع، قال (ويخرون للأذقان يبكون) [4] وذم أهل الغفلة بالضحك وترك البكاء في قوله (أفمن هذا الحديث تعجبون) [5] الآية.

واعلم أن البكاءَ بكاءُ العين، وبكاءُ القلب وبكاء السر، فأما بكاءُ العين فهو لأهل المعرفة من المنيبين، وأما بكاء القلب فهو لأهل المعرفة من المريدين، وأما بكاء السر فهو لأهل المعرفة من المحبين.

واعلم أن لأهل المعرفة هموماً مخبوءة تحت أسرارهم، مستورة عن أفكارهم فكلما هاج من أسرارهم رياح خشية الهيبة، ومن قلوبهم لهب نيران الأحزان، أحرقت ما عليها من هشيم الغفلة والنسيان.

والبكاء على خمسة أوجه: بكاءُ الحياء، مثل بكاء آدم، وبكاء الخطيئة، مثل بكاء داود، وبكاء الخوف مثل بكاء يحيى بن زكريا، وبكاء الفقد، مثل بكاء يعقوب، وبكاء الهيبة، مثل بكاء سائر الأنبياء، وهو قوله تعالى (إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن) [6] الآية.

وبكاء سادس: مثل بكاء شعيب ذلك بكاء الشوق والمحبة، بكى شعيب حتى ذهب بصره، ثم رُدَّ إليه بصره، فبكى حتى ذهب بصره، ثلاث مرات، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا شعيب إن كان بكاؤك من مخافة النار فقد أمنتك من النار، وإن كان بكاؤك من أجل الجنة فقد أوجبت لك الجنة. فقال:

لا يا رب ولكن من الشوق إلى رؤيتك، فأوحى الله إليه: أن يا شعيب حَقَّ لِمَن أرادني أن يبكي من شوقي، إنه ليس لهذا دواء غير لقائي، ويروى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " لو أن عبداً بكى من خشية الله في أُمّة لرحم الله تلك الأمة ببكائه" [7].

وقالت رابعة: بكيت عشر سنين عن الله، وعشر سنين بالله، وعشر سنين إلى الله. فأما ما هو بالله فالرجاء به وأما ما هو عن الله فالخوف منه، وأما ما هو إلى الله فالشوق إليه. وقال بعضهم: دخلت على رابعة البصرية فإذا هي ساجدة، فجلستُ عندها حتى رفعت رأسها، فإذا في موضع سجودها ماء واقف من دموعها، فسلمتُ عليها فردت علي السلام، وقالت: ما حاجتك ؟ قلت: أريد زيارتك، فبكت ثم صرفت وجهها عني، وكانت تبكي وتقول: قرة عيني لابد لي منك، فالعجب ممن عرفك، كيف يشتغل بغيرك، والعجب ممن أرادك، كيف يريد غيرك؟

وكان عطاء السلمي [8] كثيراً ما يقول في بكائه" اللهم ارحم انقطاعي إليك، وإعراضي عن سواك، وغربتي في بلادك، ووحشتي بين عبادك، ووقوفي بين يديك.

وقال الفضيل بين عياض: بينا أنا في الطواف، إذ أنا برجل قد تغير لونه، ونحل جسمه، وهو يبكي ويدندن [9] مع نفسه، فدنوت منه، فإذا هو يقول: إلهي قد أستأنست بك قلوبُ المحبين، واستراحت إليك قلوب العارفين، فلا تقطع منك آمال المشتاقين. قال: فسمعت هاتفاً يقول: يا وليّ لقد أبكيت السموات السبع، اسكت فإن لك ما سألت.

وروي أن آدم عليه الصلاة والسلام لما نزل من الجنة، بكى حتى نبت من دموعه النبات، فأوحى الله إليه: هذا البكاء على فوت الجنان، فأين البكاء على ترك
خدمتي؟ ففزع آدم إلى كلمة الإخلاص، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك، قال الله تعالى: ( فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه) [10].

وقال ذو النون: رأيت بمكة رجلا يبكي بكاء العارفين، فدنوت منه وقلت: ألك حبيب؟ قال: نعم، قلت: حبيبك قريبٌ أم بعيد؟ قال: قريب، قلت: موافقٌ لك أم مخالف؟ قال: بل موافق لي، قلت: سبحان الله فلم تبكي؟ قال: أما علمتَ أن عذاب القرب والموافقة، أشد من عذاب البعد والمخالفة؟

وحكي أن رابعة كانت تمر يوماً في بعض طرق البصرة، فقطرت عليها قطرةٌ من الميزاب، فسألت عنها، فقيل: أنها من بكاء الحسن، قالت: قولوا للحسن لو ازددت بالدموع، حتى تصل العرش محبةً له، لكان قليلا.

وقيل لعبادة بن شميط بن عجلان: هل يبكي المنافق؟ قال: أما من الرأس فنعم، وأما من القلب فلا. قال الفضيل: إذا رأيت الرجل يبكي، وقلبه ساهٍ فهو بكاء منافق، وإن البكاء بكاء القلب.

قيل لمالك بن دينار [11]: ألا تجئ بقارئ يقرأ بين يديك؟ فقال: إن الثكلى لا تحتاج إلى النائحة.

وقال كعب الأحبار [12] لأن أبكي دمعة من خشية الله أحب إليّ من أن أتصدق بجبل من الذهب. وكان مالك بن دينار كثيراً ما يبكي ويقول: يا نفس تريدين أن تجاوري الجبار، وتشاهدي المختار، بأي شهوة تركتِها، بأي بعيد قربته إلى الله، بأي ولي أحببته لله، بأي عدو أبغضته لله، بأي غيظ كظمته لله، لا والله لولا عفو الله ورحمته، ثم يغشى عليه. وروي أن الله تعالى قال لموسى عليه الصلاة والسلام: لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل البكاء من خشيتي.

وقال ثابت النساج رحمه الله: ما شرب داود عليه الصلاة والسلام شربة من الماء بعد الخطيئة إلى وكان نصفه دموعه حتى لحق بالله عز وجل، فقال يوماً من الأيام فيما رأى من كثرة دموعه: أما ترحم بكائي يا إلهي؟ فنودي من السماء يا داود تذكر دموعك، ولا تذكر ذنبك؟ فأخذ برمض النار من الرماد، وصار يجعله على رأسه، ويقول: ذهب ماء وجهي عند ربي. وقيل: كان في عهد الحسن البصري رضي الله عنه رجل كان له ابنة تبكي حتى عميت عيناها، فجاء الرجل إلى الحسن ودعاه ليعظها، لعلها ترفق بنفسها، فأتاها الحسن وقال لها: ارفقي، فقالت: أيها الأستاذ إن عيني لا تخلو من وجهين، إما أن تصلح لرؤية ربي أو لا تصلح، فإن لم تصلح فحق لها أن تعمى، وإن كانت تصلح فألوف مثل عيني فداء لرؤيته، قال الحسن: جئتُ مداوياً فصرتُ مداوَى، وأتيتُ مطيّباً فوجدتُ طبيباً.

وقالت سلمة بنت خالد المخزومي رحمها الله: كانت امرأة من الشام ببيت الله الحرام، ويقال لها حزينة، أبداً تبكي من غلبة الشوق، وكلما نظرت إلى باب الكعبة، قالت: بيت ربي، بيت ربي، ففُتح باب الكعبة يوماً من الأيام، فرأت فيها طائفين يبكون، ويقولون: مليكنا وقرة أعيننا، طال شوقنا متى تكون ملاقاتنا، فسمعت تلك المقالة [13]، فصاحت صحية وخرت مغشياً عليها، ولم تزل تضطرب حتى ماتت.

وقال يحيى بن أصفر: دخلنا مع جماعة من أصحابنا على عفيرة العابدة [14]، وكانت عمياء من كثرة بكائها، فقال واحد منا: ما أشد العمى بعد البصيرة، فسمعت ذلك فقالت: يا أبا عبدالله عمى القلب عن الله أشد من عمى العين، وددتُ لو أن الله أعطاني كُنهَ محبته، ولم يُبق لي جارحة إلا أخذها مني

الليلُ داجٍ والعُصاةُ نيامُ والعارفون لدى الجليلِ قيامُ
يتلون آياتِ الهدى ودموعُهم تجري، ومنها قد تفيضُ سِجامُ [15]
لا يصبرون سُويعةً عن ذكرِهِ شوقاً وليس لمن يحب مَنامُ

حواشي

[1الموضوعات لابن الجوزي (ط1) 1/157 والآلىْ المصنوعة للسيوطي، (دار الكتاب العربي) 1/55 والأسرار المرفوعة لعلي القاري (الرسالة) 435 والسلسة الضعيفة، (المكتب الإسلامي) 171 وتذكرة الموضوعات لمحمد طاهر الهندي (بيروت) 89 وقال الهندي: " في إسناده مَن تكلم فيه. قلت: رجاله كلهم ثقات معروفون، ورمي بعضهم بالقدر، وهو غير قادح" وكشف الخفاء (التراث الإسلامي) 2/393 برقم 2644 وقال العجلوني: " رواه ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه رفعه. قال السيوطي في مختصر الموضوعات: ( هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب. وإسناده حسن) ورواه الرافعي بلفظ مَن وُلد له مولود ذكر فسماه محمداً حباً لي وتبركاً باسمي.." [ كنز العمال 16/45223] والسيوطي في الحاوي للفتاوي (السعادة) 2/100و 114 [ موسوعة أطراف الحديث 8/602].

[2سورة القيامة: 22-23.

[3سورة عبس: 38-39.

[4سورة الإسراء: 109.

[5سورة النجم: 59.

[6سورة مريم: 58.

[7الدار المنثور 4/206.

[8انظر طرفاً من أخباره في الطبقات الكبرى للشعراني (الفكر) 1/47. وجامع كرامات الأولياء 2/305.

[9دندن الرجل: تكلم بصوت خفي يُسمع ولا يُفهم، أو بصوت خافت.

[10سورة البقرة: 37.

[11مالك بن دينار البصري، محدث ورع، مات سنة 131 هـ.

[12كعب بن ماتع: من علماء التابعين. مات سنة 32 هـ ودفن في حمص.

[13أي سمعت قول الطائفين: مليكنا وقرة أعيننا.

[14انظر بعض اخبارها في طبقات الشعراني 1/67 (الترجمة 132).

[15سجم الدمع وانسجم: انصبَّ، سال.

الرد على هذا المقال