الصفحة الأساسية > المكتبة الرفاعية > كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله > الحديث السابع والثلاثون

الحديث السابع والثلاثون

الخميس 23 يونيو 2011

اخبرنا شيخنا أبو المكارم باز الله الأشهب خالي الشيخ منصور الأنصاري الحسيني برواقه في نهر دقلى، قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد اشتُهر بابن الصلت، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا الفضيل بن موسى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" [1]. أمر صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث الشريف بقمع النفس، ومحق ثورتها، وصفعها بنعل الهمة، إذا تعدَّت طورها، بشأن إخوانها المسلمين، وألزم بالمحبة الخالصة، وجعلها عماد الإيمان، لأنها لله سبحانه وتعالى، وعلَّمنا وهو معلم الخير صلى الله عليه وسلم أن إفشاء السلام مُنتِجٌ للمحبة، وأهل الحق ممتحَنون بأهل الباطل، ولكن لا تنحرف هممهم عن الحق، اعتماداً عليه سبحانه وتعالى.

أي بني، اعلم أن الله تعالى خلق الدنيا، وجعلها دار المحنة، ومحل الأخطار والأشرار، ثم خلط فيها الأبرار والفجار، وأهل المحبة بأهل البطالة، ثم يقلبهم من حال النعمة إلى حال الشدة، ومن حال الشدة إلى حال النعمة، لإظهار مَن يعبده على بساط المحنة، ممن يعبده على بساط النعمة، ومَن يعبده على رؤية المُعطي، ممن يعبده على رؤية العطاء.

قال الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) [2] الآية، وفي الخبر إن الذهب ليجرَّب بالنار، والعبد الصالح ليجرَّب بالبلاء" [3] والحكمة في امتحان الله تعالى عباده الصالحين، إظهار ما في ضمائرهم من صدق الدعوى وكذبه، وحقيقة المعنى وبطلانه، ليكون فيه ظهور مرتبة الصديقين وافتضاح غيرهم.

أما ترى أنه لا يسع للحاكم أن يحكم للخصم على إحاطة علمه، في تصديق دعواه وبطلانه، من غير أن يظهر لغيره ذلك، قال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا) [4] الآية، وقال تعالى: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) [5]، وقال الله تعالى: (ليُحق الحق ويبطل الباطل) [6]، ثم اختلفوا فقال بعض العلماء: من يعبده على بساط النعمة أولى ممن يعبده على بساط المحنة، لأن منزلة الشكر أفضل من منزلة الصبر، وذلك لأن الشكر على النعمة طاعةٌ على بساط الفراغة، والصبر على الشدة طاعةٌ على بساط الشغل، وليس مَن عَبَدَ اللهَ فارغاً كمن عبده مشغولا.

وقال بعضهم: مَن يعبده على بساط المحنة أفضل، لأن الأنبياء أفضل مرتبة ممن دونهم [7]، فامتحن الله عامتهم بأنواع المحن والبلاء، قال صلى الله عليه وسلم: "إن أشد الناس بلاءً الأنبياء" [8] الخبر، وأن الكفرة هم أهون الخلق على الله، وعيش عامتهم بأنواع النعم، وليس مَن طلبه بنفي الحجاب كمن طلبه مِن وراء الحجاب، والشاكر يطلبه من وراء الحجاب، والصابر يطلبه دون الحجاب، والشاكر يطلبه على حظ نفسه، والصابر يعبده على حب ربه، والشاكر مفتخر بملكه، والصابر مفتخر بمليكه، والشاكر حبس نفسه مع النعمة، والصابر حبس قلبه مع المُنعم، والشاكر يقول: ما دامت النعمة معي لا أبالي إن أصابني ما أصابني، والصابر يقول: ما دام المنعم معي لا أبالي إن أصابني ما أصابني، قال الله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) [9] وإن الله تعالى أوجب للشاكر الزيادة، ونفى عن أجر الصابر النهاية، حيث قال: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [10] وقال: (والله يحب الصابرين) [11].

أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: إني قدَّرتُ في أم الكتاب، أني إذا أحببت عبداً جعلته للبلاء غرضاً، وألبسته جلباب الفقر.

وفي الخبر: أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: قُل لأوليائي وأصفيائي وأهل محبتي، أن لا يدخلوا مداخل أعدائي، ولا يسكنوا مساكن أعدائي، ولا يَطعَموا [12] مطاعم أعدائي، فيكونوا أعدائي، كما أولئك أعدائي.

وقال وهب [13] إنا نجد في كتاب الله المنزل: أن عبادي المخلصين، كانوا إذا سلكوا طريق الشدة والبلاء فرحوا واستبشروا، ويقولون: الآن يتعهدنا ربنا.

وفي الحديث القدسي: أن البلاء أسرع إلى مَن يحبني من السيل إلى منتهاه [14]. حكي أن ذا النون المصري سمع مريضاً يقول: أخ أخ، فقال: ليس هذا بصادق في حبه، فقال المريض: أنيني من وجدان اللذة، لا من وجدان الشدة.

وحكي أن فتحاً الموصلي [15]، أصابته الحمى فصلى ألف ركعة، شكراً لله على ذلك، وقال: أمثلي يذكره الله من فوق عرشه، وعلم أن لي ذنباً فأراد طهارتي. وقالت رابعة: ما عرفت البلاء منذ عرفت الله.

أي بني، الخَلق صنفان: وليّ وعدو, والحال حالان: شِدة ونعمة، فربما تصل الشدة إلى الولي كرامة له، كما وصلت إلى الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وربما تصل اللذة إلى العدو خسراناً له، كما قال الله سبحانه: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) [16] ربما تصل النعمة إلى الولي استدراجاً وتنبيهاً له، وربما تصل النعمة إلى العدو وهو حظه من الآخرة، كما قال الله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) [17].

ثم الابتلاء على نوعين: إكرام وإهانة، فكل بلاء يقربك من المولى فهو في الاسم بلوى، وفي الحقيقة زُلفى [18]، وكل بلاء يبعدك عن المولى فهو في الحقيقة بلوى، ألا ترى أن الله تعالى ابتلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكان سبب ابتلائه الخُلة [19] والقُربة، وابتلى إبليس، وكان سبب ابتلائه اللعنة والفضيحة، فقال إبراهيم في البلوى: حسبي ربي، وقال إبليس: حسبي نفسي، فنودي لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بالخُلة، ولإبليس باللعنة.

حواشي

[1مسلم: الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان رقم 54 وأبو داود: الأدب، باب في إفشاء السلام، رقم 5193 والترمذي: الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام، رقم 2689 وصفة القيامة، باب سوء ذات البين وهي الحالقة رقم 2512.

[2سورة الحج والآية بتمامها هكذا: (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين).

[3لم أجده، ولكن في مسند أحمد (صادر) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن مثل المؤمن لكمثل القطعة من الذهب نفخ عليها صاحبها فلم تغير ولم تنقص.. " [ المسند 2/199. وهو حديث صحيح الإسناد] وفي الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص" رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه.. " الحديث [ سنن الترمذي: أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم 2400 وقال: حسن صحيح] وفي رواية لابن حبان في صحيحه: "فمن ثَخُن دينه اشتد بلاؤه ومَن ضعف دينه ضعف بلاؤه" [ لواقع الأنوار القدسية للشعراني (ط1) 577].

[4سورة العنكبوت: 1 و 2.

[5سورة الأحقاف: 35.

[6سورة الأنفال: 8

[7وفي هذا رد على من زعم أن الولاية أعلى مرتبة من النبوة، وقد عدَّ ابن حجر الهيتمي من أنواع الكفر" الذهاب إلى أن "الولي أقرب من النبي" (الزواجر عن اقتراف الكبائر ( مصر- المطبعة الميمنية) 1/22).

[8رواه السيوطي من مسند أحمد والبخاري (باب أشد الناس بلاء الأنبياء) والترمذي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ورمز إلى صحته، ورواه من ابن ماجه من طريق آخر ومسند أبي يعلي، والمستدرك عن أبي سعيد رضي الله عنه، وصححه أيضا، ورواه من المعجم الكبير للطبراني عن أخت حذيفة رضي الله عنهما وحسَّنه [ الجامع الصغير (الفكر) 1/160 الأحاديث 1054و 1056 و 1057] وكنت قد أشرت من قريب إلى رواية الترمذي.

[9سورة البقرة: 156.

[10سورة الزمر: 10.

[11سورة آل عمران: 146.

[12يَطعَم (بفتح الياء والعين) يأكل.

[13وهب بن منبه التابعي المؤرخ (34 – 114 هـ).

[14عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستلق، فقال: من أي شيء تشتكي؟ قال: الخمص. يعني: الجوع. فبكي الرجل، ثم ذهب يعمل. فاستقى لرجل دلاء، كل دلو بثمرة، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من تمر، فقال: ما أراك فعلتَ هذا إلا وأنت تحبني. فقال: إي والله، إني لأحبك. قال: إن كنتَ صادقاً فأعد للبلاء جلباباً، فوالله للبلاءُ أسرع إلى مَن يحبني من السيل من أعلى الجبل إلى الحضيض [ تنبيه الغافلين للسمرقندي (المطبعة العثمانية) ص 92].

[15فتح بن سعيد الموصلي، مات سنة 320 هـ [ جامع كرامات الأولياء (الفكر) 2/437].

[16سورة السجدة: 21.

[17سورة إبراهيم: 30.

[18زُلفى: قُربى.

[19الخُلّة ([ضم الخاء) الصداقة والمحبة.

الرد على هذا المقال